رأي

الصحراء الغربية: مصير الشرعية الدولية على المحك

السفير الديش محمد صالح

مدير ديوان الرئيس الراحل محمد عبد العزيز وسفير سابق للجمهورية الصحراوية لدى جمهورية زيمبابوي.

إذا لم تسرع الإدارة الأمريكية الجديدة في معالجة الضرر الذي لحق بالأعراف الدولية نتيجة لسياسة “المقايضة” التي اتبعتها الإدارة السابقة، فلن يكون هناك إجماع دولي. إن مثل هذا الميل الأحمق يقوض تطلعات البشرية إلى التقدم والأمن والاستقرار، بل إنه سيشجع الظلم والاستبداد والنزعة التوسعية وإرهاب الدولة.

إن الغاء الرئيس بايدن لعدد من قرارات سلفه، فور تنصيبه مباشرة ، يبعث على التفاؤل بشأن إلغاء الاعتراف غير القانوني بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

كان اعتراف دونالد ترامب بضم الصحراء الغربية من قبل المملكة المغربية، في العاشر من ديسمبر الماضي، ضربة لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، التي لا تزال تصنف المنطقة على أنها اراضي لا تتمتع بحكم ذاتي. ولذلك، فإن هذا القرار هو سابقة للتنمر والخيانة للقيم والمبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة ولتلك الخاصة بالولايات المتحدة. لقد هرولت عدة دول عربية، بما فيها المغرب، إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ليس سعياً وراء السلام، ولكن مقابل توفير الحماية لأنظمتها القمعية والفاسدة.


تقع الصحراء الغربية على مساحة شاسعة من الساحل الأطلسي في شمال غرب إفريقيا، تحدها المغرب من الشمال والجزائر من الشرق وموريتانيا من الجنوب والجنوب الشرقي. وقد عُرفت المنطقة في الماضي بنظام حكم مميز تتم العضوية فيه بناء على الترشيح القبلي، وكانت رئاسته مداولة بين الأعضاء. كانت إسبانيا قد استولت على الإقليم منذ مؤتمر برلينلعام 1884 حتى عام 1976.

ادرجت الأمم المتحدة الصحراء الغربية ، أو الصحراء الإسبانية كما كانت تسمى خلال الحكم الإسباني، في قائمتها للأراضي التي لا تتمتع بحكم ذاتي منذ سنة 1963 بعد نقل معلوماتها من قبل إسبانيا بموجب المادة 73 (e) من ميثاق الأمم المتحدة. في قرارها الأول لعام 1965 ، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من إسبانيا إنهاء استعمار المنطقة، لتعلن هذه الأخيرة، في سنة 1974، عن موافقتها على تنظيم استفتاء لتقرير المصير، الذي اجل بعدما طالبت المغرب بالمنطقة. وبناء على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أصدرت محكمة العدل الدولية استشارة قانونية في 16 نوفمبر 1975، رفضت من خلالها المطالب المغربية، حيث حكمت محكمة العدل الدولية بأنها “لم تجد روابط قانونية من شانها التأثير على تطبيق القرار 1514 (د -15) بإنهاء استعمار الصحراء الغربية، ولا سيما مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والصادق عن إرادة شعوب المنطقة”.


تواصلت المقاومة المحلية للاستعمار الإسباني لتبلغ ذروتها في عام 1973 بتأسيس حركة التحرير الوطني ، جبهة البوليساريو (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) ، وإعلان الكفاح المسلح. وبثلاث سنوات قبل ذلك، طالب السكان بإنهاء الاستعمار الإسباني خلال مظاهرات في يونيو 1970 ، اطلقت فيها القوات الإسبانية النار ضد المتظاهرين واعتقلت زعيمهم الذي لا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم. وبمجرد أن ظهر ضعف الاستعمار الإسباني بسبب ضغط البوليساريو، بدأت تحاك مؤامرة قذرة بالموازاة بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا للتحايل على قرار محكمة العدل الدولية واحتلال الصحراء الغربية بالقوة، حيث وقعت الدول الثلاث اتفاقية في 14 نوفمبر 1975 في مدريد ، تقضي بتنازل إسبانيا عن المنطقة لصالح المغرب وموريتانيا.


قامت القوات المغربية والموريتانية بغزو الصحراء الغربية بأيام قليلة قبل انسحاب إسبانيا من المنطقة، ما ادى إلى عرقلة نقل السلطة إلى سلطات الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي أعلنتها جبهة البوليساريو في 27 فبراير 1976. وهكذا اندلعت الحرب بين الدول الثلاث، مما تسبب في معاناة كبيرة لشعب المنطقة. وعلى اثر اتفاق بينها وحبهة البوليساريو، انسحب موريتانيا من الصحراء الغربية سنة 1979، ليتوج ذلك بالاعتراف بالجمهورية الصحراوية.


وبعد 16 من الحرب تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في سنة 1991، بعد أن وافقت جبهة البوليساريو والمملكة المغربية، بإشراف الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية / الاتحاد الأفريقي حاليًا، على استفتاء لتقرير المصير كأفضل حل وسط للنزاع الدائر بينهما. ولكن بمجرد أن نشرت الأمم المتحدة القائمة المؤقتة للناخبين، حتى رفضت المملكة المغربية المضي قدمًا في هذا المسار، متجاهلة ما يقرب 30 سنة من جهود الأمم المتحدة، التي لعبت فيها الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا. لقد حذرت شخصيات بارزة مثل جيمس إينهوف وجيمس بيكر وجون بولتون وكريستوفر روس وغيرهم ممن عملوا عن قرب من قضية الصحراء الغربية، من العواقب الوخيمة إذا لم يتم احترام الشرعية الدولية في الصحراء الغربية. هناك مسألة ذات أهمية كبيرة ولا يمكن تجاوزها، الا وهي عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في الاتحاد الأفريقي والدعم القوي الذي تتمتع به داخل هذه الكتلة. علاوة على ذلك ، فإن الشعب الصحراوي متمسك ببلده ومستعد للموت من أجله.


وفي هذا الصدد ، فإن تجاهل ترامب للوضع القانوني للصحراء الغربية وحق شعبها غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال قد كشف عن ضعف الأمم المتحدة ، وافقدها الثقة في أي دور يمكن أن تلعبه في حل النزاعات. كانت هناك ردة فعل عنيفة ضد انحياز ترامب للطموحات التوسعية للنظام المغربي، كون الأمر سيتسبب في تشويه سمعة الولايات المتحدة في الخارج ويبدد نفوذها في الأمم المتحدة كراعٍ للنظام العالمي، بل إنه سيؤدي إلى تصعيد التوترات في المنطقة بأسرها وتعقيد استعادة السلام مرة أخرى.


لقد كرّس النظام المغربي نفسه لمقايضة ولائه للولايات المتحدة وفرنسا مقابل صمتهما عن انتهاكاته للقانون الدولي في الصحراء الغربية وإبقاء القضية مجمدة. فلم تستطع الأمم المتحدة فرض الاستفتاء؛ لأن المغرب رفضها. ولم يتمكن مجلس الأمن من ادراج مراقبة حقوق الإنسان في ولاية بعثة الأمم المتحدة (مينورسو) ؛ لأن ذلك سيكشف حقيقة الجرائم التي ارتكبتها القوات المغربية بحق المدنيين الصحراويين في الأراضي المحتلة بالصحراء الغربية. ولقد تعامى الكثيرون عن نهب المغرب للموارد الطبيعية في الصحراء الغربية؛ لأنهم يستفيدون منها. وأخيرًا، فالمغرب هو الذي يقرر بشأن الصحراء الغربية، وليس الأمم المتحدة.


في الآونة الأخيرة ،أي في 13 نوفمبر الماضي، في منطقة الكركرات العازلة جنوب الصحراء الغربية، اقدمت القوات المغربية على انتهاك وقف إطلاق النار بمهاجمة مدنيين الصحراويين كانوا يحتجون لوقف نهب مواردهم الطبيعية، وعلى الرغم من وجودها على فلم تفعل بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) شيئًا حيال ذلك. هذا الانتهاك الصارخ لبنود اتفاق وقف إطلاق النار دفع جبهة البوليساريو وحكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية إلى إعلان انتهاء الهدنة. وقد جاء هذا الإعلان بعدما حذروا مرارًا وتكرارًا من أن الجمود في العملية السياسية سيؤدي إلى مثل هذه النتائج. الآن ، اندلعت الحرب مرة أخرى وقد يؤثر التصعيد على منطقة المغرب والساحل بأكملها.


اما الصحراويون فقد نفد صبرهم نتيجة خيبة أملهم في الأمم المتحدة بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من انتظار سراب استفتاء ديمقراطي عادل وحر للسماح لهم بتقرير مستقبلهم. وأي محاولة للجمع بين الطرفين سيكون مصيرها الفشل ما لم تؤخذ بعين الاعتبار شروط الصحراويين القائمة على اتفاق جديد.


خلال قمته الاستثنائية الرابعة عشرة بشأن إسكات المدافع في ديسمبر الماضي، وافق الاتحاد الأفريقي على الخطوط العريضة لمقاربة جديدة من شأنها أن تؤدي إلى اتفاق جديد بين الدولتين العضوين. يجب على أصحاب المصلحة الدوليين، وخاصة مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية ، التعاون مع الاتحاد الأفريقي لوضع هذه المقاربة حيز التنفيذ.


لقد حان الوقت للمجتمع الدولي لترسيخ قيم ومبادئ الديمقراطية والعدالة ، وإعطاء الأولوية لتطبيق تقرير المصير في الصحراء الغربية باعتباره المبدأ الذي قامت عليه جميع دول الأمم المتحدة. فلنفسح المجال للتاريخ بان يسجل إجماع الجميع حول قضية الصحراء الغربية التي طال أمدها، آخر مستعمرة في أفريقيا.

Spread the love