الرئيسية تحليل

التكامل الاقتصادي بين الجزائر وموريتانيا وانعكاسه على القضية الصحراوية !

الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزوان

خلال هذه الحقبة الزمنية المعاصرة التي يشهد فيها العالم الكثير من الأزمات الاقتصادية، والتقلبات في أسعار المواد الأولية الخام، توجهت دول الجنوب بشكل عام وشمال إفريقيا بشكل خاص، نحو البحث عن نماذج جديدة للتكامل الإقليمي، قادرة على توفير الاستقرار والآمان لنظمها الاقتصادية.

لعل من بين أبرز النماذج التي يمكن دراستها وتحليل نتائجها وتأثيراتها على التعاون والتكامل الإقليمي بين دول الجنوب، نموذج العلاقات الاقتصادية والتجارية والصناعية الاستراتيجية، التي تربط محور الجزائر موريتانيا.

نظــــــــــــــرة تــــــــــــــاريخيــــــــــــــة:

منذ تاريخ استقلال البلدين عن الاستعمار الفرنسي (موريتانيا 1960 – الجزائر 1962) كانت هناك حاجة ماسة إلى إقامة تعاون متبادل بين الطرفين، لبسط سيادتهما الكاملة على ترابهما الوطني، ثم تحرير الاقتصاد من هيمنة الاستعمار الفرنسي، وبناء البنية التحتية والمؤسسات الوطنية وفي مقدمتها المؤسسات الاقتصادية، التي تعتبر العمود الفقري لتحقيق الاستقلال الكامل غير المنقوص.

الصورة تم التقاطها في الفاتح من سبتمبر سنة 1970، أثناء زيارة رسمية للرئيس الجزائري هواري بومدين  لموريتانيا، في الصورة يظهر خلف بومدين كل من الرئيس السابق معاوية ولد الطايع والعقيد أحمد سالم ولد سيدي.

في هذا السياق لعب الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين الذي عرف بمواقفه التاريخية المناهضة لفرنسا، والداعمة لحركات التحرر والدول الفتية في أفريقيا، دورا حاسما ومحوريا في بناء أسس العلاقات الاستراتيجية المستقبلية التي تعود بالنفع على البلدين.

دور هواري بومدين أبرزه الراحل المخطار ولد داده أول رئيس لموريتانيا في مذكراته (موريتانيا على درب التحديات)، التي خصص حيزاً كبيرًا منها للدعم الذي حظيت به بلاده من طرف الجزائر، خاصة فيما يتعلق بالقطاعات الاستراتيجية التي كانت تابعة بالكامل لقصر الإيليزي آنذاك.

وبحسب مذكرات المخطار ولد داده قدم هواري بومدين دعمًا سخيا لنواكشوط لتأميم مواردها المعدنية والأولية، حيث مول آنذاك دراسة مشروع بناء ميناء نواكشوط، وعرض أن يحل الخبراء والفنيون الجزائريون محل الفرنسيين في حالة رفضهم العمل في المناجم بأوامر من السلطات الموريتانية، ووضع وحدات من الجيش الجزائري على الحدود بين البلدين تكون في حالة تأهب قصوى مستعدة للرد على أي تهور فرنسي في موريتانيا.

كما سمح التعاون بين البلدين لموريتانيا بامتلاك بنكها المركزي وعملتها الخاصة بها “الأوقية” التي طبعت في الجزائر بدلًا من الاعتماد على عملة الاستعمار الفرنك الفرنسي CFA، والتي لم تتحرر من قيودها حتى الآن بعض الدول الأفريقية، حيث يشير إلى ذلك ولد داداه في مذكراته قائلا “ما كان لإنشاء البنك المركزي الموريتاني وإنشاء العملة الوطنية أن يتما لولا المساعدة النفيسة للجزائر”.

بقت الجزائر وفية لمبادئها المناهضة للاستعمار، والداعمة إلى استقلال البلد الجار موريتانيا، ليس فقط عن فرنسا ولكن أيضا فيما يتعلق بالأطماع التوسعية المغربية، كما يؤكد ذلك الرئيس الموريتاني في مذكراته بأن بومدين منع القوات المغربية من عبور منطقة تندوف لاحتلال موريتانيا.

وفي هذا المسعى قامت الجزائر بجهود دبلوماسية حثيثة لقبول انضمام موريتانيا إلى منظمة الجامعة العربية، على الرغم معارضة عديد القادة العرب وفي مقدمتهم الحسن الثاني، وهو ما حدث بالفعل في قمة رؤساء الدول العربية التي انعقدت في الجزائر عام 1973، ليتم قبول موريتانيا رسميا بالمنظمة العربية بعد مرور 13 سنة على استقلالها.

لكن سياسة الرئيس الموريتاني المخطار ولد داده في السنوات الأخيرة من حكمه، وانضمامه لمحور النظام المغربي وأطماعه التوسعية في المنطقة، ومشاركته في اتفاقيات مدريد الثلاثية غير القانونية 1975 التي قسمت الصحراء الغربية بموجبها، ودخوله بعد ذلك في حرب مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، دفع الجزائر إلى إعادة النظر في سياستها تجاه نواكشوط.

وبعد سنوات قليلة من تورطها في هذا النزاع الذي لا ناقة لها فيه ولا جمل، انسحبت موريتانيا ووقعت اتفاقا للسلام تعترف بموجبه بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 1979.

الوضــــــــــــــع الراهــــــــــــــن:

مع وصول الرئيس محمد ولد عبد العزيز، دخلت موريتانيا منعطفا جديدا فيما يتعلق بسياستها الدولية وطموحاتها كدولة محورية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وفي هذا الإطار بذلت نواكشوط جهودا لاستعادة التحالف الاستراتيجي مع الجزائر، وبناء علاقات جيدة مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، تركزت بشكل أساسي على التنسيق الأمني بين الدولتين.

شرعت الجزائر بدورها في تعميق علاقات التكامل والتعاون مع موريتانيا، ولأن أدوات التكامل الإقليمي أصبحت بالية -إن لم نقل ميتة- أي الاتحاد المغاربي، فإن العلاقة بينهما تركزت في ميدان التعددية. وعلى هذا الأساس تم تشكيل اللجنة المختلطة الكبرى الجزائرية الموريتانية، بهدف توجيه وبناء علاقات تعاون في مختلف المجالات، وإزالة العقبات التي تعترض تقدم مستوى تعاون البلدين.

القفزة النوعية المهمة والأكبر تمثلت في توقيع 16 اتفاقية تعاون بين البلدين خلال اجتماع العمل الأخير للجنة المختلطة في الجزائر العاصمة، والتي تشمل قطاعات كالتجارة، الاتصالات، الطاقة، الخدمات، القضاء، التكوين، الصحة، الثقافة، الأمن، الدفاع.

وزير الداخلية الجزائري رفقة نظيره الموريتاني خلال مراسيم تدشين المعبر الحدودي الأول من نوعه بين البلدين قرب ولاية تندوف صيف 2018.

وللتغلب على العوائق المادية، اتفق الطرفان على فتح نقطة حدودية برية قرب مدينة تندوف، وبدء عملية تعبيد طريق يربط بين البلدين على مسافة 750 كلم، والذي سيكون القناة الرئيسية لتبادل البضائع والسلع بين البلدين. وبحسب الدراسات الاقتصادية فإن الطريق الجديد يمكن أن يرفع قيمة التبادل التجاري بين الجزائر وموريتانيا إلى أكثر من 100 مليون دولار بعدما كانت تتراوح بين 40 و 50 مليون دولار.

القطاع الخاص بدوره ساهم في تسهيل عملية التكامل بين البلدين، ففي اجتماع مجلس رجال الأعمال الجزائري-الموريتاني، تم تحديد المشاكل الرئيسية والحلول المقترحة. وتم الاتفاق على إنشاء بنوك مختلطة لتسهيل المعاملات وإجراءات الدفع، كما تم تنظيم معرض المنتجات الجزائرية في نواكشوط هو وسيلة لتقريب المواطن الموريتاني من السلع بأسعار معقولة وذات نوعية جيدة مقارنة بالمنتجات المغربية.

تنظيم المعرض التجاري الدولي “المقار” وإعادة إحيائه بولاية تندوف، الذي تميزت طبعته الأخيرة بمشاركة دول إفريقية مجاورة على غرار موريتانيا والسينغال ومالي والنيجر إلى جانب تجار من الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية، نقطة انطلاق جديدة في مسار الإندماج الإقتصادي الإفريقي، وتنمية المناطق الحدودية.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله وزير الخارجية الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد فبراير 2020.

وينبغي الإشارة إلى أن العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت نقلة نوعية في فترة الرئيس الجزائري الحالي السيد عبد المجيد تبون، خاصة في ظل أزمة وباء كورونا العالمي، حيث عبر الرئيس الجزائري لنظيره الموريتاني في اتصال هاتفي، عن استعداده الكامل لتقديم كل الدعم لموريتانيا، وتم تنظيم جسر جوي بين البلدين محملا بالمواد الغذائية الضرورية.

الآفــــــــــــــــــــــــــــاق:

تشير كل المعطيات إلى توفر إرادة صادقة بين قيادة البلدين، وبداية ظهور آفاق واعدة لمستقبل التكامل الاقتصادي الإقليمي بين موريتانيا والجزائر، خاصة مع تداعيات أزمة وباء كورونا، وهذا يعززه ظهور مؤشرات جديدة من شأنها تعزيز التعاون بين دول الجنوب. خاصة الدور الإيجابي الجديد للاتحاد الأفريقي ومشاركته في القضايا الاقتصادية والإنمائية، عبر إنشاء منطقة التجارة الحرة الأفريقية التي تم اعتمادها في قمة كيغالي 2018.

وبما أن موريتانيا والجزائر من بين الدول الموقعة على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، ستشكل هذه الاتفاقية أداة فعّالة لدفع عجلة النمو والتبادل الاقتصادي بين البلدين إلى الأمام. إضافة إلى حرية تنقل الأفراد بين البلدين دون الحاجة إلى عراقيل طلب التأشيرة، على عكس تنقل المواطنين الموريتانيين إلى المغرب الذي يتطلب المرور مسبقًا من خلال إجراءات معقدة.

كما أن التوافق في وجهات النظر بين البلدين بشأن الشؤون الإقليمية عامل مهم قادر على تسريع عملية التكامل، كما حدث مع مجموعة تنمية دول جنوب القارة الأفريقية (SADC)، التي تعتبر مثالًا يحتذى به في نجاح التكامل الاقتصادي الإقليمي بالقارة.

إعلان الرئيس الجزائري كذلك في قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة، عن إنشاء وكالة جزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية ALDEC ذات البعد الأفريقي، خطوة في الاتجاه الصحيح ستساهم حتمًا في تعزيز التنمية بدول القارة وفي مقدمتهم دول الجوار خاصة دول الساحل بما فيهم موريتانيا.

القضيــــــــــة الصحــــــــــراويــــــــــة:

على الرغم من أن الجزائر وموريتانيا تربطهما حدود برية مشتركة طويلة، إلا أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تشكل حلقة وصل بين البلدين. تعمل الدول الثلاث معًا على مواضيع متعددة خاصة تلك المتعلقة بأمن المنطقة والشؤون المشتركة، لذلك فإن نجاح التكامل بين الجزائر وموريتانيا ينعكس مباشرة على الجمهورية الصحراوية، كما يمكن أن يشكل أرضية لتكامل إقليمي أوسع في المستقبل.

من بين المشاكل التي تواجهها موريتانيا هي الاعتماد على السلع القادمة من المغرب، وقد حد هذا من مجالهم للمناورة فيما يتعلق بلعب دور بناء وإيجابي في قضية الصحراء الغربية، وهذا ما جعلهم يتمسكون بمصطلح “الحياد” الذي تم تعديله من قبل الرئيس الموريتاني الحالي ولد الغزواني، في ندوة صحفية ليشمل المشاركة بإيجابية في جهود البحث عن حل للقضية الصحراوية طبقا لقرارات القانون الدولي.

وفي نفس الندوة الصحفية مع وسائل الإعلام الوطنية جدد الرئيس الموريتاني أيضا تأكيده على أن بلاده “تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وهو ما تسبب في حملة إعلامية مسعورة ضده قادتها وسائل إعلام مغربية.

مسألة أخرى لا تقل أهمية عما سبق تلك المتعلقة بإغلاق ثغرة “الگرگرات، فإنخفاض مستوى العلاقات التجارية بين موريتانيا والمغرب سيسهل من مهمة فرض إغلاق ثغرة الگرگرات، التي يقوم المغرب وبطريقة غير قانونية بتمرير ما ينهبه من موارد الصحراء الغربية إلى أفريقيا ودول جنوب الصحراء، في انتهاك صارخ للاتفاق العسكري رقم1 الذي ينظم وقف إطلاق النار بين جبهة البوليساريو والمغرب. وهو أمر ممكن مع وجود طريق بديل للبضائع مثل طريق تندوف – أزويرات.

إغلاق هذه الثغرة ليس مسألة تتعلق بالصحراويين الذين يحاولون استعادة السيطرة على أراضيهم فحسب، بل مسألة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن المنطقة، لأن إغلاقها سيمنع وصول المخدرات المغربية إلى منطقة الساحل، وتمويل الاتجار بالأسلحة والعلاقات المشبوهة بين أجهزتها السرية والجماعات الإرهابية.

وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم خلال استقباله من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزوان بالقصر الرئاسي مارس 2020.

التطابق الكامل في وجهات النظر بين البلدين فيما يتعلق بالقضايا الدولية والإقليمية كما عبر عن ذلك وزير الخارجية الجزائر صبري بوقادوم خلال زيارته الأخيرة لموريتانيا واستقباله من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وبصفتهما بلدين مراقبين في المفاوضات بين طرفي النزاع المغرب وجبهة البوليساريو، عوامل من شأنها أن تساهم في حل القضية الصحراوية بشكل نهائي، خاصة بعد فشل جهود الأمم المتحدة وشلل مسار التسوية.

هناك تفاهما كبيرا بين الجزائر وموريتانيا بشأن القضايا الإقليمية

وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم

خــــــــــــــــــــــــــلاصــــــــــــــــــــــــــة:

إذا كانت الجزائر قد تمكنت في ستينات وسبعينات القرن الماضي من دعم موريتانيا في الاستقلال وتخليصها من التبعية لفرنسا، فإنها مما لا شك فيه قادرة اليوم وتمتلك الفرصة لإنهاء اعتماد موريتانيا على المغرب. وهذا سيكون له تأثير إيجابي على حل القضية الصحراوية والأمن بمنطقة الساحل.

البورتال ديبلوماتيك
البورتال ديبلوماتيك

صرح إعلامي رصين متخصص في الشؤون السياسية والعسكرية والدبلوماسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ينشر محتواه باللغتين العربية والإسبانية.

Spread the love