تحليل

هل يعيد التصعيد في الصحراء الغربية قطار الشرعية الدولية لسكته الأصلية؟

السفير الديش محمد صالح

مدير سابق لديوان الرئيس الراحل محمد عبد العزيز، وسفير سابق للجمهورية الصحراوية لدى جمهورية زيمبابوي.

ما أن ظهرت معالم رحيل الاستعمار الاسباني من ارض الساقية الحمراء ووادي الذهب، الذي عمر بها ما يقارب القرن من الزمن، حتى بدأت المؤامرات تحاك بهدف سلب شعب هذه الاراضي- أو ما تعرف حديثا بالصحراء الغربية- من حقه غير قابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال. هذه المؤامرات، أيضا، كانت وراء تعطيل عملية تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية منذ ان ادرجتها الأمم المتحدة سنة 1963 ضمن قائمة الاراضي التي لا تتمتع بحكم إلى الآن. والغريب في الامر أن كل المصائب التي حلت لالشعب الصحراوي كان من ورائها جارته الشمالية، المملكة المغربية، التي احتلت الأرض بعد خروج الاستعمار الاسباني، واستباحت العرض، وعندما أدركت بفشل الخيار العسكري لجات لأساليب المراوغة واللعب على الوقت والبحث في قواميس الخداع لتجلب معها في آخر المطاف إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، كي لا يبق اي نوع من المكائد الا واستعملت ضد هذا الشعب الأبي وضد منطقة المغرب العربي الجريحة.


فلما أدركت المملكة المغربية بان لعبتها في تمديد عمر احتلالها للصحراء الغربية اصبحت مكشوفة، خاصة بعد دحض مطالبها وتأكدها من خسارتها في حالة تمكن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير، بدأت تخطط لإقحام الصراع في لعبة المصالح باستخدام اساليب ناعمة تقدم فيها السواحل الصحراوية الجميلة والاستراتيجية وما تحتويه من معادن كهدية لعل وعسى ان تساعد النظام المغربي على تغيير المعطيات القائمة. ولاشك ان التحول الراديكالي في مواقف ادارة ترامب، إسرائيل وحكام الامارات وغيرهم هو دليل على أن هناك طعما كبيرا اسأل اللعاب.


لقد حذرت جبهة البوليساريو مرارا وتكرارا من النوايا المبيتة للمملكة المغربية في الاقدام على اجتياح أجزاء من الأراضي الصحراوية المحررة، قبل أن يعطي النظام المغربي تعليماته لقواته المتمركزة في حزام الذل والعار بمنطقة الكركرات، بالجزء الجنوبي من الصحراء الغربية، بالهجوم يوم 13 نوفمبر الماضي على مجموعة من المدنيين الصحراويين كانوا يحتجون على النهب المستمر لمواردهم الاقتصادية وتدفقها الى افريقيا عبر الثغرة غير القانونية في المنطقة المذكورة، في خرق سافر لبنود اتفاق وقف اطلاق النار الموقع عليه بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية سنة 1991. ويتضح مما حدث في الكركرات، بانه كان خطوة هامة بالنسبة للمملكة المغربية في اطار مخططها الرامي الى ضم منطقة لكويرة المحررة، حيث اقامت القوات المغربية جدارا جديدا يحاذي الطريق غير الشرعية المؤدية إلى موريتانيا من الشرق وربطه بآخر باتجاه البحر.


والملفات للانتباه التزام الأمم المتحدة للصمت تجاه ما حدث رغم انه جرى امام مرآي ومسمع من بعثتها، فلم يصدر من جانبها أي تنديد بالفعل الشنيع الذي اقترفته القوات المغربية في حق المتظاهرين ولا حتى حمّلت الدولة المغربية المسؤولية في خرق وقف اطلاق النار، وهذا تأكيد واضح على تواطؤ الهيئة الأممية مع سلطات الاحتلال المغربية.


وعلى ضوء ما حدث يوم 13 نوفمبر، اعلنت جبهة البوليساريو عن نهاية وقف إطلاق النار واستئناف الكفاح المسلح، بعدما حذرت من ان اية محاولة لتفريق المتظاهرين سيكون نهاية للهدنة التي كانت قائمة.

وهكذا فقد اطلق إعلان جبهة البوليساريو لوقف اطلاق النار واستئناف الكفاح المسلح رصاصة الرحمة على ما يقارب ثلاثين سنة من محاولات ثني عزيمة هذا الشعب الصحراوي تحت عنوان ” السلام” واتخاذ من الأمم المتحدة مظلة للقفز على حقوقه المشروعة. كما ازاح استئناف الحرب وقوة ضربات المقاتلين الصحراويين الستار عن زيف دعاية ومغالطات النظام المغربي للراي العام الدولي حول نهاية المقاومة الصحراوية وحول بسط حكمه على الصحراء الغربية. وما ان سمع ابناء الشعب وبناته بالإعلان عن نهاية وقف إطلاق النار حتى تنادوا من كل صوب وحدب وخاصة شبابه الذي يعد بالآلاف، في مشهد أكد حقا عزيمة هذا الشعب اللامتناهية على انتزاع حقه المشروع بأفواه مدافعه أو الاستشهاد على طريق الحرية والكرامة.


كان النظام المغربي قد استغل الايام الاخيرة من عهدة الرئيس الأمريكي السابق، ترامب، وصراع هذا الاخير مع الوقت من اجل تطبيع ما أمكن من الدول العربية للعلاقات مع اسرائيل، لاشتراط عليه اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية مقابل اقدام المغرب على هذه الخطوة، وهو الامر الذي وافق عليه ترامب بدون تردد. ويسعى النظام لمغربي من وراء الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية الى ضرب الشرعية الدولية، بحكم قوة النفوذ الامريكي على القرار الدولي، وجعلها موضع مساومة من أجل تكريس احتلاله للأراضي الصحراوية. لكن ما ان تعالت الأصوات المنددة بانتهاك إدارة ترامب للشرعية الدولية، حتى ازدادت المخاوف من ان هذا التحول المفاجئ في الموقف الأمريكي يقد يقود الى تصعيد غير مسبوق بين القوى العظمى في المنطقة، الامر الذي جعل الإدارة الأمريكية الجديدة تبعث برسائل تطمينية حول نيتها في مراجعة سياسات الإدارة السابقة.


ما تفاجأ به الجميع هو التصالح الإماراتي- المغربي السريع، بعدما وصلت علاقات البلدين درجة من التأزم الى حد استدعاء السفراء، والذي ترجع أسبابه الى التحالف ضد قطر والمد الإماراتي في شمال افريقيا. ان إعلان الإمارات فتح قنصلية بمدينة العيون المحتلة، كأول دولة عربية، يؤكد عزمها على اقحام نفسها في الصراع الصحراوي- المغربي، ولابد ان يكون مقدمة لعمل خبيث مثلما عودتنا عليه هذه الدولة العربية في اليمن وليبيا، خاصة وان قرارها جاء مباشرة بعد توقيعها لصفقة سلاح متطور مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي بموجبها تحصل الإمارات على مقاتلات اف-35، مقابل قيام هذه الأخيرة بإقناع الدول العربية الأخرى بالتطبيع مع اسرائيل.


لكن ما ان ذهب ترامب، حتى اصبحت علامات الاستفهام تطرح حول مدى نجاح التحالف مع المغرب، خاصة لما أعلنت إدارة بايدن عن نيتها مراجعة الاتفاقيات التي وقعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الرئيس السابق. ان انقلاب الإدارة الامريكية الجديدة على إرث سابقتها جعل الذين أيدوا الاطماع التوسعية للنظام المغربي يدركون بانهم في ورطة حقيقة وبأن حلمهم قد يذهب في مهب الريح؛ فلا قضية الصحراء الغربية سيتغير وضعها القانوني، ولا الإدارة الامريكية الجديدة ستقبل بان تتعارض مواقفها مع المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة او تكون خارج الاجماع الدولي. وما زاد الامر تعقيدا على المخطط المغربي هو قرار إدارة بايدن بتعليق صفقات الأسلحة مع السعودية والإمارات، وتلك التي لم يعلن عنها مع المغرب، في افق مراجعتها، مما يعني انه في ظل استئناف الحرب سيفتقد المغرب الى الدعم اللازم بعد تراجع الولايات المتحدة الامريكية، مما سيجعله يخسر الحرب لا محالة.


لقد أنهى خرق وقف اطلاق النار واعلان العودة للحرب العقد الذي كان يسمح للمملكة المغربية بالتواجد في الصحراء الغربية مقابل تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي تمت مصادرته، والذي كان اسس له قرار منظمة الوحدة الأفريقية آنذاك 104 سنة 1983. وبموجب انتهاء هذا العقد، اصبحت المملكة المغربية وجها لوجه مع القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي، باعتبار ان تواجدها على أراضي الجمهورية الصحراوية هو احتلال لأراضي دولة عضو في الاتحاد الأفريقي، طبقا لمقتضيات هذا القانون التأسيسي، الذي التزمت المملكة باحترامه قبل انضمامها للاتحاد سنة 2017، بما في ذلك احترام حدود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الموروثة عن الاستعمار، والقبول بالجلوس الى جانب هذه الأخيرة على قدم المساواة داخل الاتحاد. وانطلاقا مما سبق ذكره، فان الانسحاب الكامل للقوات والادارة المغربيتين من الاجزاء التي تحتلها من اراضي الجمهورية الصحراوية، هو شرط لا مفر منه للتوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وتقع المسؤولية في فرضه على عواتق الأفارقة، باعتبار كلتا الدولتين عضوين في الاتحاد الافريقي.


لقد عبرت قمة الاتحاد الافريقي الاستثنائية الرابعة عشرة حول اسكات البنادق، المنعقدة عبر تقنية الفيديو في ديسمبر الماضي، عن عميق قلقها من جراء تجدد القتال بين الدولتين، وطالبت من الترويكا ومجلس السلم والأمن الافريقي بتقديم خارطة طريق للقمة الرابعة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الاتحاد المزمع عقدها يومي 6 و7 بالعاصمة الاثيوبية، من شانها جمع الدولتين حول طاولة المفاوضات. ومن المنتظر ان تكون هذه القمة مفصلية في تعاطي الاتحاد الأفريقي مع قضية الصحراء الغربية، كون هذه الأخيرة آخر مستعمرة في افريقيا، وبالتالي فان بقاءها معلقة هي وصمة عار على جبين كل الأفارقة، مما يتوجب عليهم مناصرة الحق والوفاء لتضحيات الشعوب الافريقية من اجل الحرية والكرامة. لقد بدأت بوادر عزم الأفارقة على حل قضاياهم بأنفسهم من خلال تبني وزراء أركان الدفاع والسلامة والأمن الأفارقة في اجتماعهم يوم 30 يناير الماضي لعقيدة الاتحاد الأفريقي بشأن عمليات السلام، والتي بموجبها يسمح بالتدخل العسكري في حالة الاعتداء المسلح على احد اعضاء الاتحاد.


ومثلها وصفها الكثير من المحللين ابان انضمامها للاتحاد الافريقي، فإن المملكة المغربية لا تريد خيرا لإفريقيا، وأن عودتها لا تنحصر فقط في تفكيك الاجماع الافريقي حول القضية الصحراوية، بل تتعدى ذلك الى تأزيم الأوضاع في افريقيا وافشال مشروع اتحادها. وهذا ما حصل بالفعل من خلال استدراج بعض الدول الأفريقية لفتح قنصليات ببعض المدن المحتلة من اراضي الجمهورية الصحراوية مقابل رشاوي ووعود مالية. لقد رحب الأفارقة بصدق، بمن فيهم الجمهورية الصحراوية، بعودة المملكة المغربية الى الحضن الافريقي، في أمل ان يكلل هذا الرجوع بتصالح بين الدولتين العضوين ليمهد الطريق امام افريقيا موحدة. لكن للأسف الشديد، ما ان انضمت المملكة المغربية للاتحاد الافريقي حتى بدأت في تنفيذ مخططها، ليصل بها الامر في النهاية إلى التصعيد الحالي في الصحراء الغربية، في محاولة للقفز على الشرعية الدولية. لقد حان الوقت ان يدرك الأفارقة وغير الأفارقة ان النوايا الصادقة لا مكان لها في المملكة المغربية.


ان التسريع بحل قضية الصحراء الغربية، بناء على مقتضيات الشرعية الدولية، يجب أن يكون في اولوية الانشغال الدولي، نظرا لما لحق بهذه الشرعية الدولية من محاولات بالقفز عليها تارة والتلاعب بها وتحريفها تارة اخرى، كونها اساس قيام الأمم والشعوب. واذا ما استمر التصعيد العسكري في الصحراء الغربية على وتيرته الحالية، فسيتسع مجاله وستتفاقم خطورته، لكن وقفه لن يكون الا بالتمسك بتطبيق الشرعية الدولية، وفرض الاعتراف بالحقيقة المجسدة داخل الاتحاد الأفريقي من خلال وجود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية والمملكة المغربية داخله على قدم المساواة.

Spread the love