طريق إسكات وسجن الصحافيين في المغرب مفروشة بالقضايا الجنسية

المغرب، لم تعد هناك قضايا مثل قضية علي المرابط أو علي أنوزلا، اللذين حوكما بين عامي 2003 و2013 بسبب آرائهما وكتاباتهما، إذ لم تعد العدالة المغربية تسجن الصحافيين بسبب ما يكتبون، مهما كانت كتاباتهم معارضةً وجريئة. فقانون الصحافة الجديد، الذي سُن في عام 2016 لم يعد ينص على عقوبات سالبةٍ للحرية، ولكن طريق الصحافيين إلى السجن في المغرب، أصبحت مفروشة بالقضايا الجنسية، وهي قضايا تهدف وفق مَنْ استشارتهم “القدس العربي” إلى “الشيطنة والقتل الرمزي”.

عمر والاغتصاب

عمر الراضي، الصحافي الاستقصائي الحائز على بعض الجوائز، هو العدو الجديد للنظام المغربي منذ بداية العام. ففي آذار/مارس الماضي، حُكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر، على الرغم من أنه لم يدخل السجن، بتهمة ازدراء القضاء بعد أن انتقد على “تويتر” شدة الحكم الصادر ضد نشطاء “حراك الريف”.

وفي نهاية حزيران/يونيو، وجهت إليه تهمة “التمويل من الخارج” من قبل جهاز المخابرات البريطاني “MI6” على الرغم من أن لائحة الاتهام لم تذكره، ومن ثم تعريض أمن الدولة المغربية للخطر. وفي الواقع، كما يؤكد عمر الراضي نفسه، فإنه لا ذنب له سوى أنه أعد فقط تقريرا اقتصاديا لشركة استشارية يديرها وكيل “MI6” السابق والمتقاعد، قبل أن تخرج قضية الاغتصاب المثيرة، والتي اقتيد بسببها وبسبب التهم الأخرى إلى السجن، في أيام عطل قضائيةٍ، وتم تحديد موعد المحاكمة في 22 أيلول/سبتمبر.

عائلة الريسوني

ولكن عمر الراضي ليس استثناءً، وكثيرًا ما ينتهي الأمر بالصحافيين المزعجين في المغرب بالتورط في فضائح مزعومة أو اعتداءات جنسية. ففي نهاية شهر أيار/مايو، قُبض على سليمان الريسوني، والذي يشتغل رئيس تحرير صحيفة “أخبار اليوم” وكانت هناك صحيفة إلكترونية مقربة من السلطة، “شوف تيفي” لتسجيل اعتقاله.

وكان أحد المدافعين عن حقوق المثليين قد اتهم سليمان الريسوني على صفحته على فيسبوك، ليأخذ القضاء المغربي، الاتهام الذي وجهه الشاب المثلي بجدية، وستتم محاكمة الريسوني في أيلول/سبتمبر بتهمة “الاعتداء الجنسي بالعنف والاختطاف”.

وبالتوازي مع هذه المتابعات، تشوه الصحافة المقربة من السلطة سمعة الصحافيين المستقلين، وفي بعض الأحيان تتوقع حتى الأسباب التي تجعلهم نزلاءً للمؤسسات السجنية. فقبل اعتقال الريسوني بسبعة أشهر، نشرت صحيفة “برلمان” الإلكترونية، المقربة من وزارة الداخلية، مقالاً بعنوان، “فضائح عائلة الريسوني التي يخجل منها إبليس اللعين” والذي جاء فيه “نستحي يا سليمان من كشف تصرفاتك في مراكش وسيأتي يوم نفتح فيه كتابك بكل سواده… ولكننا نستحي أن نقول إن الحيوانات تتنزه عن مثل ما أتيت به من أفعال يندى لها الجبين”. ومنذ عام 2018 خصصت “برلمان” ما لا يقل عن 60 مقالاً للصحافي الذي يدير “أخبار اليوم”.

وقبل تسعة أشهر من وضع سليمان الريسوني في الحبس الاحتياطي، قُبض على ابنة أخيه، هاجر الريسوني، وهي صحافية تبلغ من العمر 29 عامًا، مع خطيبها آنذاك وزوجها الآن رفعت الأمين.

وقام عناصر الشرطة يوم الـ31 من آب /أغسطس، بالقبض عليهما عندما كانا يغادران عيادة الطبيب النسائي جمال بلقزيز، الذي اعتقلوه أيضًا.

واتُهمت هاجر ورفعت بالإجهاض وممارسة الجنس خارج إطار الزواج وحُكم عليهما بالسجن لمدة عام، لكنهما مكثا وراء القضبان لمدة 47 يومًا فقط، لأن هذه الفضيحة التي اندلعت وفق ما يقوله الكثيرون أطفأها الملك محمد السادس بعفو عن الجميع. كما أن نشر الصحافية هاجر الريسوني في صحيفة “أخبار اليوم” عدة تقارير عن قمع “حراك الريف” كان وراء تلك القضية التي هزت الرأي العام المغربي والدولي.

وتقول هاجر الريسوني، لـ”القدس العربي” إنه “خلال السنوات الأخيرة، أصبحت السلطة تستعمل القضايا الجنسية ذات الأبعاد الأخلاقية ضد الصحافيين المزعجين للسلطة والذين لهم آراء نقدية متزنة، وذلك لقتلهم رمزيا، والنيل من سمعتهم أمام الرأي العام الذي يكون يتابعهم، خصوصا أن التهم الجنسية؛ مجتمعنا لا يقبلها، ويربطها دائما بالأخلاق والشرف”.

وتشير إلى أن ذلك يرفق بـ”الترويج لكون الاعتقال كان بسبب ارتكاب جناية مثلهم مثل المواطنين العاديين، وهذا الطرح يتم الترويج له من خلال الصحافة التابعة لأجهزة الدولة التي أصبحت اليوم تمثل الأكثرية في الحقل الصحافي في المغرب، بالإضافة إلى نهج أسلوب التشهير واستعمال الحياة الخاصة للصحافيين لتصفية الحسابات معهم”.

وبالنسبة لمتابعة الصحافيين بقضايا الحق العام وليس بقضايا الصحافة والنشر، ترى الصحافية المغربية الهدف الأساسي منه، “ترويج المغرب لصورته في الخارج بأنه لا يضيق على الصحافيين بسبب كتاباتهم، وأن هناك حرية تعبير، واحتراما لحقوق الإنسان، لكن بعد توالي القضايا المتشابهة من حيث طبيعتها ضد صحافيات وصحافيين مزعجين، (توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني، عمر الراضي، هشام المنصوري)؛ جعل العالم ينظر إلى المغرب بعين الريبة، ويظهر ذلك جليا في تقارير المنظمات الدولية”.

وتؤكد الريسوني، أن “النظام المغربي مع الأسف، لم يعد يحتمل الأصوات المعارضة والمنتقدة، فالصحافة المستقلة أصبحت شوكة في حلقه، ويريد أن يقضي عليها ويترك فقط صحافته التي تقول إن (العام زين/ جميل)”.

قتل رمزي

“في البداية كان الرأي العام والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية يجدون حرجا كبيرا في التضامن مع الصحافيين المتابعين في إطار جرائم مرتبطة بالعنف الجنسي، لاعتبار أن الصحافيين ليسوا منزهين من ارتكاب الجريمة، كما أن السلطة كانت تقول أن الصحافيين كباقي المواطنين يحاكمون على قدم المساواة، والقانون فوق الجميع، ونحن هنا أمام جريمةٍ أو شبهة جنسية ولسنا أمام قضية رأي، لكن مع تواتر هذا النوع من المتابعات واعتقال الصحافيين بالتهم الأخلاقية المرتبطة بالجنس والإجهاض وغيره، خاصة مع اعتقال هاجر الريسوني وبعد ذلك سليمان الريسوني وهما للإشارة من العائلة والجريدة نفسها؛ بدأت شكوك تساور الكل؛ خاصة أن هذا النوع من الاعتقالات رافقته خروقاتٌ مسطريةٌ ارتباطًا بالمسطرة الجنائية المغربية نفسها” بهذه الكلمات وبحسرة على طريق الصحافيين في المغرب نحو السجون التي صارت مفروشة بالقضايا الجنسية، يتحدث الصحافي المغربي رشيد البلغيتي لـ”القدس العربي”.

ويؤكد البلغيتي على أن “ملف عمر الراضي كان تحولا كبيرا في هذا الموضوع، فهذا الشاب توبع بتهمة مرتبطة بما عبر عنه من رأيٍ تجاه قاضٍ أصدر أحكامًا ثقيلةً في حق شباب الريف، فاعتقل ثم أفرج عنه ثم حكم عليه بعقوبة سجنية موقوفة التنفيذ، ثم بعد ذلك أنجزت منظمة العفو الدولية (أمنستي) تقريرًا حول تعرض هاتفه للاختراق من طرف شركة (أن أس أو) الإسرائيلية، وبعد ذلك أدخل في متاهةٍ من الملاحقات المتتالية من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وكان ذلك منهكًا وماراثونيًا، وبعده مباشرةً سقطت تهمة الاغتصاب، والعنف الجنسي من جديد على رأس عمر الراضي كما سقطت على رأس من سبقوه”.

“وهنا تأكد الجميع بما لا يدع مجالا للشك، أننا أمام استعمال قضية النساء وقضايا العنف الجنسي كذريعة من أجل الزج بالصحافيين المستقلين والنشطاء المدنيين داخل السجون، ولا أدل على ذلك من أن كل المنظمات الدولية الرصينة والمعروفة بحذرها في صياغة البلاغات قد خرجت من دائرة التحفظ إلى إعلان التضامن بشكل مباشر مع عمر الراضي واتهام المغرب باستعمال هذا النوع من التهم لتصفية رمزية المعارضي، كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش” يقول الصحافي المغربي.

والجديد في رأي البلغيتي أنه “بعد كل البلاغات التي تندد بهذا والتي تخرج عادةً من تنظيمات سياسية وحقوقية معروفة بمواقفها ضد الدولة، أننا أمام طيف كبير من المثقفين والكتاب والروائيين والمخرجين والمسرحين والمشتغلين في المجال الثقافي بمن فيهم تقنيون، يوقعون على عريضة يستنكرون من خلالها حالة الخوف عبر بلاغ كُتب بلغةٍ جميلة، أسموه (هذا الظل الذي يرافقنا) وعلى رأس هولاء الروائي والشاعر الكبير، عبد اللطيف اللعبي، والذي كان معتقلًا سياسيًا سنوات الجمر والرصاص”.

“أعتقد أن البلاغات ستتوالى، وأن ملف عمر الراضي تحديدًا سيؤرخُ له بوصفه النقطة التي أفاضت الكأس، كأس التهم الجنسية التي تهدف إلى قتل المعارضين رمزيًا والزج بهم في السجون” يقول رشيد خاتمًا حديثه لـ”القدس العربي”.

شيطنة المعارضين

من جهته، يعتبر الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، خالد البكاري، أن “توجيه تهم ذات طبيعة جنسية للأصوات الصحافية والمدنية المنتقدة للسلطوية، ومن ثم محاكمتهم بالقانون الجنائي، يراد منه شيطنة المعارضين عند الرأي العام، الذي تعتقد السلطة أنه محافظ، لكن تكرار هذه التهم جعل جزءا كبيرا من الرأي العام يشكك في هذه الادعاءات، ووصل الأمر حد التنكيت”.

ويرى البكاري، في تصريحه لـ”القدس العربي” أن “الإشكال لا يكمن فقط في محاكاة تقليد لجأت إليه سلطوية بنعلي سابقا، وسلطوية السيسي، ولكن خطورته تتمثل في إضعاف مصداقية الترافع الذي يمكن أن تقوم به الدولة لتجميل واجهتها الحقوقية من جهة، ومن جهة أخرى فهذا المسلك سيضر مستقبلا بحقوق النساء اللواتي سيتعرضن لاعتداءات جنسية حقيقية، إذ سيصبح التشكيك في الجرائم الجنسية هو الأصل”.

الناشط الحقوقي، لا ينكر أنه في ملفات سابقة “كان المنحنى العام عند الرأي العام هو التريث، وبعدها الانقسام. رأينا هذا مثلا في قضية الصحافي توفيق بوعشرين، بل إن الانقسام طال حتى الجسم الحقوقي والمدني، لكننا بعد تكرار هذه الاتهامات سنلحظ أن المنحى الغالب هو رفض هذه الاتهامات والتشكيك فيها، ليس داخل المغرب، بل حتى خارجه، وهكذا وجدنا جمعيات حقوقية دولية، ومنابر إعلامية وازنة غالبا ما تنحاز لادعاءات المصرحات بتعرضهن لاعتداء جنسي، تشكك اليوم في المزاعم المرتبطة بالاغتصاب في قضية عمر الراضي”.

ويضيف البكاري “لقد نبهت مناضلات نسويات في المغرب عن رفض إقحام أجساد النساء في تصفية حسابات سياسية أو في توريط معارضين، ذلك أنهن يعين جيدا أن هذه اللعبة ستعود بالضرر على معاركهن الحقيقية”.

“وعلى العموم فشواهد كثيرة تدل على تورط أمنيين في إفلات مغتصبين من العقاب، كما أن سجلات المحاكم تحتفظ بأحكام تشكل في حد ذاتها اغتصابا ثانيا للضحايا، وبالتالي فالمعركة ضد الاغتصاب وانتهاك حقوق النساء لا يمكن إلا أن تكون في وجهة تقاطعية مع النضال من أجل الحقوق المدنية والاقتصادية والثقافية في كونيتها وشموليتها” يختم الحقوقي كلامه.

هذا الظل هنا

هذه القضايا التي تسير في خط متوازٍ مع حملات تشهيرٍ ضد كل صوتٍ يغرد خارج السرب، دفع بمجموعة بها أكثر من 400 شخصيةٍ من أهل الفن والثقافة إلى إعلان رفضهم لما وصفوه بـ”الظلم اليومي الذي يتعرضون له، أفرادا وجماعات، وكل من يعبِّر عن أوضاع وظروفِ العيش”.

البيان الذي وقعته كوكبةٌ من الفنانين والمثقفين، والمعنون بـ”هذا الظلّ هنا” جاء لينتقد الصحف المغربية التي تنهج التشهير خطا تحريريا لها، واصفا إياهم بـ”إعلام الرجعة والتشهير” والذي “ينصب نفسه كامتداد مباشر للتأطير البوليسي والقمعي للمغاربة”.

الموقعون على البيان، حذروا من التهديد المستمر “لسلطة قد تسجننا” مشيرين إلى أنه “اليوم يهاجمون الصحافة، غدا سيهاجموننا واحدا تلو آخر، لنحضر أنفسنا لننظم صفوفنا”.

سعيد المرابط القدس العربي.